ابن عجيبة
605
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
ثم ذكر خليله إبراهيم عليه السّلام ، فقال : [ سورة الصافات ( 37 ) : الآيات 83 إلى 87 ] وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ ( 83 ) إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ( 84 ) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما ذا تَعْبُدُونَ ( 85 ) أَ إِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ ( 86 ) فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ ( 87 ) قلت : ( أئفكا ) : مفعول له ، و ( آلهة ) : مفعول « تريدون » ، أي : أتريدون آلهة من دون اللّه إفكا وزورا . وإنما قدّم المفعول به على الفعل للعناية له ، وقدّم المفعول له على المفعول به ؛ لأنه كان الأهم عنده أن يكافحهم بأنهم على إفك وباطل في شركهم . ويجوز أن يكون « إفكا » مفعولا به ، أي : أتريدون إفكا . ثم فسّر الإفك بقوله : آلِهَةً دُونَ اللَّهِ على أنها إفك في نفسها ، أو : حالا ، أي : أتريدون آلهة من دون اللّه آفكين . يقول الحق جل جلاله : وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ أي : نوح لَإِبْراهِيمَ ، أي : ممن شايعه على أصول الدين ، وإن اختلفا في الفروع ، أو : شايعه على التصلب في دين اللّه ، ومصابرة المكذّبين . وكان بين نوح وإبراهيم ألفان وستمائة وأربعون سنة ، وما كان بينهما إلا نبيّان ؛ هود ، وصالح . إِذْ جاءَ رَبَّهُ : متعلق بما في الشيعة من معنى المشايعة ، أي : وممن شايعه على دينه إبراهيم ، حين جاء ربه بِقَلْبٍ سَلِيمٍ من الشرك ، أو : من آفات القلوب ، ومعنى المجيء بقلبه ربه : أنه أخلص لله قلبه ، وعلم ذلك منه . إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما ذا تَعْبُدُونَ ، « إذ » : بدل من الأولى ، أو : ظرف لجاء ، أو : لسليم ، أَ إِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ ؛ أتريدون آلهة تعبدونها من دون اللّه إفكا وزورا وباطلا . فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ يفعل بكم إذا لقيتموه ، وقد عبدتم غيره ، فما تقولون ، وكيف بكم في مقام الخجل الذي بين أيديكم ، وإن كنتم اليوم غائبين عنه ؟ . أو : أىّ شئ ظنكم بمن هو حقيق بالعبادة ؛ لكونه رب العالمين ، حتى تركتم عبادته ، وأشركتم معه غيره ، أو أمنتم عذابه ؟ . الإشارة : لا يكون العبد إبراهيميا حنيفيا حتى يقدس قلبه مما سوى اللّه ، ويرفض كلّ ما عبده الناس من دون اللّه ، كحب الدنيا ، والرئاسة ، والجاه ، فيجئ إلى اللّه بقلب سليم ، أي : مقدس من شوائب الطبيعة ، فهو سالم مما دون اللّه ؛ لاتصاله بالله . قال القشيري : « بقلب سليم » لا آفة فيه . ويقال : لديغ من محبة الأغيار ، أو : من الحظوظ ، أو : من الاختيار والمنازعة . والله تعالى أعلم .